الشرق تريبيون- متابعات
لم يعد تدويل اليوان الصيني مجرد طموح اقتصادي تقليدي، بل بات ركيزة في صميم الأمن القومي الصيني، فبينما تحتفظ بكين بمخزونات إستراتيجية من النفط والغاز والمعادن النادرة، فإنها تعمل بالمنطق ذاته على بناء منظومة مالية موازية تُحصّنها من سلاح العقوبات الغربية.
ورغم أن الصين تُصنَّف اليوم قوة اقتصادية عظمى، فإنها لا تزال أسيرة لنظام مالي يهيمن عليه الدولار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين اتفقت 44 دولة على جعله العملة الاحتياطية الأولى في العالم، ما منح واشنطن نفوذًا هائلًا قادرًا على شل اقتصادات بأكملها بجرة قلم.
الحروب تفتح أبوابًا لم تستطع السياسة فتحها
أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن ما عجزت عنه عقود من الدبلوماسية الاقتصادية، أنجزته حروب أوكرانيا وإيران في وقت قياسي، فبحسب ما رصدته الصحيفة الأمريكية، واستنادًا إلى بيانات مجلس الأطلسي، ارتفعت المدفوعات عبر الشبكة المالية الصينية بنسبة تقارب 50% خلال الشهر الماضي، مع تدافع الدول نحو اليوان لشراء النفط الإيراني بعيدًا عن المنظومة الدولارية.
وقد وثقت خدمة Lloyd's List Intelligence البحرية أن سفينتين على الأقل سددتا رسوم العبور الآمن في مضيق هرمز لإيران باليوان مباشرةً، في سابقة لافتة تعكس حجم التحول الجاري.
أما روسيا، المقطوعة عن الدولار عقب الحرب مع أوكرانيا، فباتت تُسوي غالبية تجارتها مع الصين باليوان.
وتُلخص المديرة المساعدة في مجلس الأطلسي، أليشا شانجاني، هذا الواقع بقولها إن التموضع المالي الصيني "يلبي طلبًا حقيقيًا ومتصاعدًا على التخلص من هيمنة الدولار" من دول تسعى للتبادل التجاري مع أطراف خاضعة للعقوبات.
عقدان من البناء الصامت
لم يأتِ هذا التحول من فراغ، إذ تعود جذوره إلى مشروع صيني ممنهج بدأ مطلع الألفية الثالثة، حين وقعت بكين اتفاقيات مبادلة عملات مع عشرات البنوك المركزية حول العالم تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 600 مليار دولار، تُتيح للشركاء التجاريين استخدام اليوان دون المرور بالنظام الدولاري.
وفي عام 2015، أطلقت نظام CIPS للمدفوعات العابرة للحدود بديلًا عن شبكة SWIFT التي طُردت منها المصارف الروسية والإيرانية تحت الضغط الأمريكي.
والأرقام تتحدث عن نفسها، فمنذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، تضاعف عدد المؤسسات المشاركة في CIPS ثلاثة أضعاف من 75 إلى نحو 200 مؤسسة.
وتسارعت وتيرة النمو بشكل لافت عقب إغلاق مضيق هرمز، إذ قفزت المدفوعات اليومية عبر الشبكة الصينية من 86 مليار دولار في فبراير إلى أكثر من 131 مليار دولار يوميًا في مارس، مع ارتفاع متوسط حجم الصفقة الواحدة بأكثر من 8%، وفق بيانات مركز الجيواقتصاد في مجلس الأطلسي.
طموح كبير وعقبات أكبر
تشير نيويورك تايمز إلى أن الطريق نحو عملة احتياطية بديلة لا يزال محفوفًا بعقبات هيكلية عميقة، إذ إن اليوان لا يمثل حتى الآن سوى 3% من التحويلات المالية العالمية، أي ما يُعادل حصة الدولار الكندي، فيما لا يزال الدولار يهيمن على المشهد بفارق شاسع.
ويعود ذلك جزئيًا إلى القيود الصارمة التي تفرضها بكين على تدفقات رأس المال، إذ يخضع مواطنوها لسقف سنوي محدود على التحويلات الخارجية، ويواجه المستثمرون الأجانب حصصًا وموافقات مسبقة لشراء الأسهم والسندات الصينية.
وتكمن مفارقة المعضلة هنا، فلكي يؤدي اليوان دورًا عالميًا حقيقيًا، يجب تخفيف هذه القيود، لكن بكين تتحاشى ذلك؛ خشية فقدان السيطرة على سعر صرف عملتها، كما يُضاف إلى ذلك غياب أدوات استثمارية سائلة تُعادل سندات الخزانة الأمريكية التي تلجأ إليها الدول لتوظيف فوائضها الدولارية.
غير أن خبراء مجلس العلاقات الخارجية يرون أن الصين لا تحتاج إلى إزاحة الدولار كليًا، فمجرد توفير منظومة بديلة جاهزة للطوارئ كافٍ لإضعاف القبضة الأمريكية.
وفي هذا السياق، يلفت البروفيسور إسوار براساد من جامعة كورنيل، إلى أنه رغم غموض الصورة النهائية، فإن حقيقة واحدة باتت راسخة: "ثمة رغبة جامحة في العالم للتحرر من قبضة المنظومة الدولارية".